دكتور..بارك الله فيك على جميل ما تقدمه لكن سؤال دائماً يتردد هل خلقنا الله ليعذبنا؟ من الناس من يدخلون الدنيا ويخرجون منها وهم في شقاء مستمر وليت الأمر يقتصر على ذلك بل حتى في الآخرة هم من الهالكين..!!

لعل سؤالك يهدف إلى تساؤل: أين عدل الله؟!
رجل فقير، وهو مع فقره بعيد عن الله، يسرق، ويرتشي، ولا يصلي، فتكون خاتمته سيئة، ويدخل النارإن لم يتداركه الله برحمة.
وفي المقابل: رجل غني موسر يؤدي حق الله عليه، فهذا تنعم في دنيا، ويدخل - إن ختم الله له بخير- الجنة في أخراه.
فهل هذه عدالة؟!
اسمع الجواب:
1. خلنا الله للابتلاء والاختبار لا للعذاب (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا).
2. فالدنيا دار اختبار لا جزاء، والاختبار نوعان: بالسراء وبالضراء، فكلا العبدين مختَبر، ونجاح اختبار الفقر بالسعي على الحلال والصبر، ونجاح اختبار الغنى بالطاعة والشكر.
3. أيهما أفضل عند الله وأربح في الجزاء: الفقير أم الغني؟! هذا بحسب أحوالهما، ففقير صابر خير من غني فاجر، وغني شاكر خير من فقير فاجر، ولذا جاء في صحيح البخاري ما يمنع زوغان الأبصار تحت تأثير بريق الدينار والدولار: "كم من كاسيةٍ في الدنيا، عارية يوم القيامة".
4. الشقاء الحقيقي ليس في الفقر، بل في ضياع الأجر واكتساب الوزر، لأنه يفضي إلى النار في الآخرة، وما أشقاها!
5. والغنى الحقيقي ليس في المال بل في اكتساب الحسنات وربح الطاعات؛ لأنه يفضي إلى جنة الآخرة، وما أحلاها وأبقاها!
6. فرص العباد عند بدء خلقهم في الهداية متساوية (ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها)، ودور العبد في اكتساب الهداية واضح: (قد أفلَح مَنْ زَكّاها * وقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها)، فالإنسان مخيَّر لا مُسيَّر، ولذا كان من كمال عدل الله أنه لا يعذب أحدا من عباده إلا بعد إقامة الحجة وإرسال الرسل: (وما كُنّا معّذِّبينَ حَتى نَبْعَثَ رَسولا).
7. المؤمن على خير في جميع أحواله، إن أصابته ضراء صبر، وإن أصابته سراء شكر، فليس المهم نوع الامتحان الذي يخوضه إذا كانت النتيجة نجاحا باهرا في الحالين، بل تنوع الأحوال هو تذوقٌ لألوان مختلفة من العبودية لله، وكلاهما حلو! نَعَم حلو!
يقول الرافعي:
"تأتي النعمة فتدني الأقدار منك فرع الثمر الحلو، وأنت لا ترى جذره ولا تملكه، ثم تتحول فإذا يدك على فرع الثمر المر، وأنت كذلك لا ترى ولا تملك؛ ألا فاعلم أن الإيمان هو الثقه بأن الفرعين كليهما يصلانك بالله! فالحلو فرع عبادته بالحمد والشكر، وهو الأحلى عندك حين تذوقه بالحس؛ والمر فرع عبادته بالصبر والرضا، وهو الأحلى حين تذوقه بالروح".

View more