أنت مرآة مستطيلة معلقة على حائط المقهى الصغير في نهاية الشارع .. حيث تقابلك الطاولات الصغيرة والمقاعد الخشبية المتواضعة .. أنت ترى كل يوم ما يكفي من الزبائن الذين يحدقون بأنفسهم عبرك .. ولكن .. ما الذي يدور في ذهنك يا ترى ..

۝ كَفَن™
تبا أنا الشخص الخاطئ تماما للعب هذا الدور سأجنّ خلال أيام معدودة بلا شك..
_______________________________________
تُهيئ لي الأيام الطويلة أنني ثابت في مكاني منذ الأزل وسأظل كذلك لعمر غير مسمى، مراقبا ومتأملا كل ما يوجد في نطاقي من الجمادات البائسة كحالي ومن الزبائن الذين لا ينفكون عن مطالعة أنفسهم عبري.. بطريقة بلهاء في معظم الأحيان.
لي حصة من التحديق البغيض أنالها طوال الوقت إلا أنها تتفاوت من يوم لآخر، فمثلا لي زاوية مفضلة أستريح من عناء انعكاس الناس فيّ بالنظر إليها كلما أُنهكت، ولكن مؤخرا بدأ ثنائيان جديدان بارتياد المقهى، وكل يوم أحد يجلسان مقابل بعضهما في تلك الزاوية ويستمران بالثرثرة طويلا، لم تكن مراقبتهما سيئة طالما أن أيا منهما لم يكن يتوقف أمامي ويحملني عبئ انعكاس روحه بداخلي "أرواح البشر ثقيلة.. ثقيلة للغاية"
على أي حال كان ذلك قبل أن ألاحظ بأن الفتاة بين فنية وأخرى تسترق النظر إلي، أعني إلى انعكاسها بداخلي، شعرها بني قصير وملامهحا تحمل سكينة ناسك، وكانت بعد كل استراقة نظر ترفع خصلاتها خلف أذنها اليمنى وتعيد النظر في عيني رفيقها بهدوء وقد يتورد وجهها إن شعرت بأنه قد لاحظ ما فعلت، أما هو فقد كان يفعل المثل في الأيام التي يسبقها في الحضور، يعدل شكل ياقة قميصه كثيرا ويلمس شعره مرات عديدة..
وكانت هناك عجوز تأتي وحدها لشرب القهوة كل صباح، تحدق فيّ طويلا وأغرق أنا في عمق عينيها الزمرديتين اللامعتين، قد تكشف عن أسنانها أحيانا لتتحقق من أن لاشيء من بقايا إفطارها عالق في طقمها الذي لاحظت بأنها قد غيرته قبل أسبوع، المهم لم يزعجني تحديقها على الإطلاق فروحها الشفافة كانت تخفف من أعبائي الكثير وحتى عندما تنفخ بطريقة مضحكة محاولة إزالة بقعة من على سطحي أو عندما تنادي صاحب المقهى ليفعل ذلك إن لم تطل يدها البقعة فاستفتاحها المقهى كل صباح هو ما يجعل يومي محتملا، أتسائل ما إن كنت سأتحطم إن ماتت.. لقد كانت تسعل كثيرا مؤخرا.
في الواقع أشعر بالامتنان أحيانا لوجودي في المقهى فمهما بلغ ضيقي كانت رائحة القهوة تجد طريقة لفعل شيء مع مزاجي المتعكر وفي الليالي الباردة تعرف الشوكولاة كيف تدفئني، ورائحة الحليب بالعسل تغمرني بالطمئنينة، أما عبق البن عند تحميصه يشبه القبلة التي طبعتها الفتاة على وجه الشاب في المرة الماضية، وبياض بخار الشاي الحلو يذكرني برقة يد العجوز وبمنديلها الحريري الذي تمسح به سطحي كل يوم.
لا تبدوا الأمور بذلك السوء حقا لكن الأمر لا يزال لا يروق لي، هل هناك من يرغب بأخذ مكاني؟