الثريد دا هنزل فيه كل يوم حديث من صحيح البخاري بإذن الله🌸❤

Ahmed Hagag
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ"

_

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ )
رواه البخاري

..

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيا جَاءَ إِلَى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ. وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ. وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هٰذَا شَيْئا أَبدا، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هٰذَا».
Show more (63)

🌸

عن عبدالله بن عمرو رضى الله عنهما أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وتَقْرَأُ السَّلَامَ علَى مَن عَرَفْتَ ومَن لَمْ تَعْرِفْ.
_________________
في هذا الحديثِ يُبيِّنُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيُّ أعمالِ الإسلامِ خيرٌ مِن غيرِها، وأفضلُ مِن سواها بعد الإيمانِ وأداءِ الأركانِ، وذلك إجابةً لأحدِ السَّائلين، وقد ذكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرينِ:
الأوَّل: الإكثارُ مِن إطعامِ الطَّعامِ للضُّيوفِ والفقراءِ ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالى، فيدخُلُ في ذلك الضِّيافةُ والوليمةُ والصَّدقةُ وغيرُها.
والثَّاني: إقراءُ السَّلامِ وإفشاؤُه لكلِّ مسلمٍ ابتغاءَ وجهِ الله، دون تمييزٍ بين شخصٍ وآخَرَ، ولأنَّه تحيَّةُ الإسلامِ لعمومِ المسلِمينَ.
وقد جمَع في الحديثِ بين إطعامِ الطَّعامِ وإفشاءِ السَّلامِ؛ لأنَّ به يجتمعُ الإحسانُ بالقولِ والفعلِ، وهو أكملُ الإحسانِ، وإنَّما كان هذا خيرَ الإسلامِ بعد الإتيانِ بفرائضِ الإسلامِ وواجباته؛ لأنَّ إطعامَ الطَّعامِ وإفشاءَ السَّلامِ لا يكونانِ مِن الإسلامِ إلَّا بالنِّسبةِ إلى مَن آمَن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورُسلِه واليومِ الآخِرِ.

🌸

عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.)
__________________
يبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الحديثِ أنَّه لا يتحقَّقُ الإيمانُ الكامِل لأحدٍ مِن المُسلِمين، حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه مِن الطَّاعاتِ وأنواعِ الخَيراتِ في الدِّينِ والدُّنيا، ويكرَهَ له ما يكرَهُ لنفسِه، فإنْ رأى في أخيه المسلِمِ نقصًا في دِينه، اجتهَد في إصلاحِه.
ولا يكونُ المؤمنُ مؤمنًا حقًّا حتَّى يرضى للنَّاسِ ما يرضاه لنفسِه، وهذا إنَّما يأتي مِن كمالِ سلامةِ الصَّدرِ مِن الغِلِّ والغِشِّ والحسَدِ؛ فإنَّ الحسدَ يَقتضي أن يكرَهَ الحاسدُ أن يفُوقَه أحدٌ في خيرِ، أو يساويَه فيه؛ لأنَّه يحبُّ أن يمتازَ على النَّاسِ بفضائله، وينفرِدَ بها عنهم، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك، وهو أنْ يَشرَكَه المؤمنون كلُّهم فيما أعطاه اللهُ مِن الخيرِ.

🌸

عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا أمَرَهُمْ، أمَرَهُمْ مِنَ الأعْمَالِ بما يُطِيقُونَ، قالوا: إنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ قدْ غَفَرَ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ في وجْهِهِ، ثُمَّ يقولُ: إنَّ أتْقَاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أنَا.
___________________
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمُرُ أصحابَه بما يُطيقون مِن الأعمالِ، وبما يَستطيعون المداومةَ عليه؛ لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان حريصًا على المداومةِ على الأعمالِ، لا على الإكثارِ منها، وكانوا لشدَّةِ حرصِهم على الطَّاعاتِ يُريدونَ الاجتهادَ في العملِ، فطلَبوا الإذنَ في الزِّيادةِ مِن العبادةِ، والرَّغبةِ في الخيرِ، وقالوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنتَ مغفورٌ لك، لا تحتاجُ إلى عملٍ، ومع هذا أنتَ مواظِبٌ على الأعمالِ، فكيف بنا وذنوبُنا كثيرةٌ؟! فغضِب مِن ذلك، وأخبَرهم أنَّه أتقاهم وأعلَمُهم باللهِ، أي: ليس الأمرُ كما تظنُّون، فلو كان في الإسرافِ في العبادةِ، وتكليفِ النَّفْسِ ما لا يُطاقُ منها: طاعةٌ لله، لسبَقْتُكم إلى ذلك؛ لأنَّني أكثرُكم علمًا بما يُرضي الله، وكلَّما كان العبدُ أكثرَ عِلمًا، كان أكثرَ طاعةً وعبادةً وتقوَى.
وفي الحديثِ: دلالةٌ على أنَّ مِن السُّنَّةِ الاقتصادَ في النَّوافلِ، وملازَمةَ ما يمكِنُ الدَّوامُ عليه؛ لأنَّ إرهاقَ النَّفْسِ بالعبادةِ يؤدِّي إلى كُرهِها، والانقطاعِ عنها.
وفيه: دليلٌ على رِفقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأمَّتِه، وأنَّ الدِّينَ يُسرٌ.

🌸

عن أبو سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم بيْنَا أنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، ومنها ما دُونَ ذلكَ، وعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وعليه قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قالوا: فَما أوَّلْتَ ذلكَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الدِّينَ.
____________________
يقُصُّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أصحابِه رضي الله عنهم رؤيا رآها، يقولُ: بينما كنتُ نائمًا، رأيتُ النَّاسَ أثناءَ نومي وهم يمُرُّون مِن أمامي وعليهم قُمُصٌ مختلفةُ الأطوالِ؛ فمِن النَّاسِ مَن تصِلُ قُمُصُهم إلى ثُدِيِّهم، ومنهم ما دون ذلك، وعُرِض علَيَّ عمرُ بنُ الخطَّابِ وعليه قميصٌ طويلٌ يسحَبُه وراءَه، فلمَّا سُئِل: بِمَ أوَّلْتَ ذلك؟ أي: ما هو تعبيرُه وتفسيرُه؟ قال: الدِّينُ.
وتفسيرُ القميصِ في المنامِ: بالدِّينِ؛ لأنَّ الدِّينَ والإسلامَ والتَّقوى كلُّ هذه توصَفُ بأنَّها لباسٌ؛ قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]؛ وذلك أنَّ القميصَ يستُرُ عورةَ الإنسانِ، ويحجُبُه مِن وقوعِ النَّظرِ عليها، فكذلك الدِّينُ يستُرُه مِن النَّارِ ويحجُبُه عن كلِّ مَكروهٍ.
وفي الحديثِ: دلالةٌ على فضيلةِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه.
وعلى أنَّ الأعمالَ مِن الإيمانِ، وأنَّ الإيمانَ والدِّينَ بمعنًى واحدٍ، وأنَّ أهلَ الإيمانِ يتفاضَلون.

🌸

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ علَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، وهو يَعِظُ أخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: دَعْهُ فإنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ.
____________________
مرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على رجلٍ وهو يعِظُ أخاه في الحياءِ، أي: ينصَحُه أن يُخفِّفَ مِن حيائِه؛ وذلك أنَّ الرَّجلَ كان كثيرَ الحياءِ، وكان ذلك يمنَعُه مِن استيفاءِ حُقوقِه، فعاتَبه أخوه على ذلك، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: دَعْهُ، أي: اترُكْه على هذا الخُلُقِ الحسَنِ؛ فإنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ؛ لأنَّه يمنَعُ صاحبَه عمَّا نهى اللهُ عنه.
والحياءُ نوعانِ: ما كان خُلُقًا وجِبلَّةً غيرَ مُكتسَبٍ، وهو مِن أجَلِّ الأخلاقِ الَّتي يمنَحُها اللهُ العبدَ، ويجبُلُه عليها؛ فإنَّه يكُفُّ عن ارتكابِ القبائحِ، ودَناءةِ الأخلاقِ، ويحُثُّ على استعمالِ مكارمِ الأخلاقِ ومعاليها.
والنَّوعُ الثَّاني: ما كان مُكتسَبًا مِن معرفةِ اللهِ، ومعرفةِ عظمتِه وقُربِه مِن عبادِه، واطِّلاعِه عليهم، وعِلمِه بخائنةِ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدورُ؛ فهذا مِن أعلى خِصالِ الإيمانِ، بل هو مِن أعلى درجاتِ الإحسانِ.

🌸

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّ الإسْلَامِ، وحِسَابُهُمْ علَى اللَّهِ.)
________________
أمَر اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقتالِ الكفَّارِ جميعًا حتَّى يشهدوا للهِ سبحانه وتعالى بالوَحدانيَّةِ، ولمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ، ويُقيموا الصَّلاةَ المكتوبةَ بالمداومةِ على الإتيانِ بها بشروطِها، ويُؤتوا الزَّكاةَ المفروضةَ؛ أي: يُعطوها لمستحقِّيها، وإنَّما خصَّ الصَّلاةَ والزَّكاة بالذِّكرِ؛ لأنَّهما أُمُّ العباداتِ البدَنيَّةِ والماليَّةِ وأساسُهما، والعنوانُ لغيرهما.
فإذا فعَلوا هذه الأمورَ، فقد عُصِمَتْ دماؤُهم وأموالُهم؛ لأنَّها أصبحَتْ معصومةً بعصمةِ الإسلامِ.
ثمَّ قال: إلَّا بحقِّ الإسلامِ، وهذا استثناءٌ مِن العِصمةِ، أي: فإنَّ الإسلامَ يعصِمُ دماءَهم وأموالَهم، فلا يحِلُّ قتلُهم إلَّا إذا ارتكَبوا جريمةً أو جنايةً يَستحقُّون عليها القتلَ بموجِبِ أحكامِ الإسلامِ، فيُقتَلُ القاتلُ قِصاصًا، ويُقتَلُ المُرتَدُّ والزَّاني المُحصَنُ حدًّا؛ كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "لا يحِلُّ دمُ امرئٍ مسلِمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّاني، والنَّفْسِ بالنَّفْسِ، والتَّاركِ لدِينه المُفارِقِ للجماعةِ".
ثمَّ اللهُ تعالى يتولَّى حِسابَهم، فيُثيب المُخلِص، ويعاقِبُ المُنافقَ، وليس لنا إلا الظاهر.

🌸

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعْطَى رَهْطًا وسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلًا هو أعْجَبُهُمْ إلَيَّ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ ما لكَ عن فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقالَ: أوْ مُسْلِمًا فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعْلَمُ منه، فَعُدْتُ لِمَقالتِي، فَقُلتُ: ما لكَ عن فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقالَ: أوْ مُسْلِمًا. ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعْلَمُ منه فَعُدْتُ لِمَقالتِي، وعَادَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قالَ: يا سَعْدُ إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ منه، خَشْيَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ في النَّارِ.
______________________
يحكي سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه في هذا الحديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعطى رهطًا، أي: جماعةً مِن المُؤلَّفةِ قلوبُهم، والرَّهطُ مِن ثلاثةٍ إلى عشَرةٍ، فترَك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واحدًا لم يُعطِه، وهو أعجَبُهم إلى سعدٍ، أي: أفضلُهم وأصلَحُهم في اعتقادِه، فقال سعدٌ رضي الله عنه: يا رسولَ اللهِ، ما منَعك مِن إعطائِه؛ فإنِّي أعتقِدُ أنَّه مؤمنٌ، وأقطَعُ بذلك، وأُقسِمُ عليه؟! فردَّ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أو (مسلِمًا)، ومَقصده صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُسرِعْ بالحُكمِ عليه بالإيمانِ، فكان هذا زَجرًا لسعدٍ عنِ الشَّهادةِ بالإيمانِ؛ لأنَّ الإيمان باطنٌ في القلبِ، لا اطلاعَ للعبدِ عليه؛ فالشَّهادةُ به شَهادةٌ على ظنٍّ، فلا ينبغي الجزمُ بذلك، وأمَره أن يشهَدَ بالإسلامِ؛ لأنَّه أمرٌ مُطَّلَعٌ عليه.
ثمَّ عاوَد سعدٌ رضي الله عنه مقالتَه، وعاوَد رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرَّدَّ عليه بما ردَّ عليه سابقًا، ثمَّ قال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي لأُعطي الرَّجلَ، أي: أتألَّفُ قلبَه بالإعطاءِ، مخافةً مِن كُفرِه إذا لم يُعطَ؛ لأنِّي أخشى عليه لو لم أُعطِه أن يعرِضَ له اعتقادٌ يكفُرُ به، فيكُبَّه اللهُ تعالى في النَّارِ، وأمَّا مَن قوِيَ إيمانُه فهو أحَبُّ إليَّ، فأكِلُه إلى إيمانِه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دِينِه، ولا سوءَ اعتقادٍ، ولا ضرَرَ فيما يحصُلُ له مِن الدُّنيا.

🌸

عن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ.
_________________
وعَظ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النِّساءَ يومًا فقال لهنَّ: إنِّي أُريتَ النَّارَ، أي: أطلَعني اللهُ تعالى على النَّارِ وكشَف لي عنها، فرأيتُها رأيَ العينِ، فلمَّا نظرتُ إليها، وشاهدتُ مَن فيها، كان أكثرُ أهلِها النِّساءَ، فقالت إحداهنَّ: ولمَ يا رسولَ الله؟ فأجابها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقولِه: (يكفُرْنَ)، أي: إنَّما كنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ؛ لأنَّهنَّ يكفُرْنَ، ولم يُبيِّنْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يكفُرْنَ بماذا؛ لتتطلَّعَ نفوسُهنَّ لمعرفةِ هذا الكفرِ الَّذي وصفَهنَّ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويشتَدَّ خوفُهنَّ، ولم يكَدِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينطِقُ بهذه الكلمةِ حتَّى قالت إحداهنَّ: أيكفُرْنَ باللهِ؟ فقال: يكفُرْنَ العَشيرَ، ويكفُرْنَ الإحسانَ، أي: يُنكِرْنَ نعمةَ الزَّوجِ وإحسانَه إليهنَّ، فلو أحسَنْتَ إلى إحداهنَّ الدَّهرَ، أي: العمرَ كلَّه، ثمَّ رأَتْ منك شيئًا واحدًا ممَّا تكرَهُ، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ، أي: ما وجدتُ منك شيئًا ينفَعُني أو يسُرُّني طيلةَ حياتي كلِّها.
وإنَّما كان جَحْدُ النِّعمةِ حرامًا؛ لأنَّ المرأةَ إذا جحَدتْ نِعمةَ زوجِها، فقد جحَدتْ نِعمةَ اللهِ؛ لأنَّ هذه النِّعمةَ الَّتي وصلَتْ إليها مِن زوجِها هي في الحقيقةِ واصلةٌ مِن اللهِ.
والحديثُ يدلُّ على أنَّ الكفرَ كُفرانِ، وأنَّ الكفرَ قد يُطلَقُ على غيرِ الكفرِ بالله، كأنْ يُرادَ كفرُ النِّعمةِ، أي: إنكارُها.
وفي الحديثِ: دلالةٌ على أنَّ الأعمالَ مِن الإيمانِ، وأنَّه قولٌ وعملٌ؛ إذ بالعملِ الصَّالحِ يَزيدُ، وبالعمَلِ السَّيِّئِ ينقُصُ.
وخَصَّ كُفرانَ العَشيرِ مِن بين أنواعِ الذُّنوبِ لدقيقةٍ بديعةٍ، وهي قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "لو أمَرتُ أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها"؛ فقرَن حقَّ الزَّوجِ على الزَّوجةِ بحقِّ اللهِ، فإذا كفَرتِ المرأةُ حقَّ زوجِها وقد بلَغ مِن حقِّه عليها هذه الغايةَ- كان ذلك دليلًا على تهاوُنِها بحقِّ اللهِ؛ فلذلك يُطلَقُ عليها الكفرُ؛ لكنَّه كفرٌ لا يُخرِجُ عنِ الملَّةِ
وبالنسبة لحديث لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها فالحديث صححه أغلب العلماء

🌸

عن المعرور بن سويد قال لَقِيتُ أبَا ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ، وعليه حُلَّةٌ، وعلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عن ذلكَ، فَقالَ: إنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بأُمِّهِ، فَقالَ لي النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبَا ذَرٍّ أعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ؟ إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فمَن كانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ ممَّا يَأْكُلُ، ولْيُلْبِسْهُ ممَّا يَلْبَسُ، ولَا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ.
_______________
لم يُفرِّقِ الإسلامُ بَيْنَ المؤمنين جميعِهم أمامَ اللهِ سبحانه وتعالى؛ فلا تَمايُزَ بِالأنسابِ ولا الأحسابِ، ولا بِالعِرْقِ ولا بِاللَّونِ، وإنَّما التَّمايزُ بِالعملِ الصَّالحِ والتَّقوى فقطْ، وقد كان أبو ذرٍّ رضِي اللهُ عنه قد شَتَمَ رجلًا وعيَّره بأُمِّه، فلمَّا سمعه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «أَعَيَّرتَه بِأمِّه؟» يعني: شَتمتَه ونَسبتَه إلى العارِ بأُمِّه؟ «إِنَّك امْرُؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ»، يعني: فيك صفةٌ مِن صفاتِ الجاهليَّةِ، ثم قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إخوانُكم خوَلُكم، جعلَهمُ اللهُ تَحتَ أيدِيكم»، أي: الَّذين يُخوَّلُون أمورَكم بمعنى يُصلِحونها مِنَ العَبيدِ والخَدَمِ هم إخوانُكم في الدِّينِ، جعلَهمُ اللهُ سبحانه وتعالى تحتَ سُلطانِكم، «فمَنْ كان أَخوه تَحتَ يدِه، فَلْيُطعمْه مِمَّا يأكلُ، ولْيُلبِسْه ممَّا يَلبَسُ، ولا تُكلِّفوهم ما يَغلبُهم، فإنْ كلَّفتُموهم فَأَعينُوهم» يعني: لا تَطلبُوا منهم مِنَ العملِ ما لا يَستطيعونَ فِعلَه، فإنْ أَمَرتُموهم بِشيءٍ مِن ذلك فعليكم إعانتُهم، فلمَّا سمعَ أبو ذرٍّ رضِي اللهُ عنه هذا الحديثَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُلبِسُ خادِمَه ثِيابًا مثلَه، كما رآه رَجلٌ في الرَّبذَةِ وهو مَوضعٌ قريبٌ مِنَ المدينةِ، عليه حُلَّةٌ، وهي ثَوبانِ إزارٌ ورداءٌ، وعلى خادِمِه حُلَّةٌ مثلُه؛ امتثالًا لِمَا سمعَه مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي الحديث: تَقبيحُ أمورِ الجاهليَّةِ وأخلاقِها، وأنَّها زائلةٌ بالإسلامِ، وأنَّ على كلِّ مِسلمٍ هِجرانَها واجتنابَها، وألَّا يَكونَ فيه شَيءٌ مِن أَخلاقِهِم.
وفيه: الحثُّ على الإحسانِ إلى الرَّقيقِ والخَدَمِ ومَن في مَعناهم كالأَجيرِ وغيرِه، والرِّفقِ بهم.
وفي: عدَمُ الترفُّعِ على المُسلمِ والاحتقارِ له.

🌸

عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه قال سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بسَيْفَيْهِما فَالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ هذا القَاتِلُ فَما بَالُ المَقْتُولِ قالَ: إنَّه كانَ حَرِيصًا علَى قَتْلِ صَاحِبِهِ.
___________________
سَفْكُ الدَّمِ الحَرامِ مِن أكْبرِ المعاصي الَّتي قد يَلقَى الإنسانُ بها اللهَ تعالى، وقد توعَّدَ اللهُ سبحانه وتعالى القاتلَ بِالعذابِ المقيمِ؛ ولذلك كان كثيرٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُفضِّلونَ اعتزالَ الفِتنةِ الَّتي دارتْ بعد مَقتلِ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضِي اللهُ عنه؛ خَشيةَ أنْ يَتورَّطوا في دَمٍ حرامٍ يَسألُهم اللهُ تعالى عنه يومَ القيامةِ، وفي هذا الحديثِ لَمَّا رأى أبو بكرَةَ رضِي اللهُ عنه الأحْنَفَ بنَ قَيسٍ مُتوجِّهًا لِلقتالِ، قال له: أين تريدُ؟ قال: أنصُرُ هذا الرَّجلَ، يعني: عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضِي اللهُ عنه، فقال له أبو بَكْرَةَ رضِي اللهُ عنه: ارجعْ؛ فَإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «إذا الْتَقَى المسلِمانِ بِسيفَيْهما فَالقاتلُ والمقتولُ في النَّارِ»، أي: القاتلُ والمقتولُ يَستحقَّانِ دخولَ النَّارَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟ «قال: إنَّه كان حريصًا على قتْلِ صاحبِه»، يعني: كان يريدُ قتْلَ صاحبِه، ولو سَنحَتْ له الفرصةُ لَفَعلَ.
وفي الحديثِ: أنَّ العزمَ على الذَّنبِ والعقدَ على عملِه معصيةٌ، بخلافِ الهمِّ المَعْفُوِّ عنه، فمَن عزَم على المعصيةِ بقلبِه، ووطَّن نفسَه عليها- أثِم في اعتقادِه وعزمِه.
وفيه أيضًا: أنَّ قتالَ المسلِمِ لأخيه بغيرِ وجهٍ شرعيٍّ كبيرةٌ مِن الكبائرِ، وأنَّ صاحبَ الكبيرةِ لا يَكْفُرُ بفعلِها؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سمَّى المتقاتلَيْنِ مسلِمَيْنِ.

🌸

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ في سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلَّا إيمَانٌ بي وتَصْدِيقٌ برُسُلِي، أنْ أُرْجِعَهُ بما نَالَ مِن أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ، أوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، ولَوْلَا أنْ أشُقَّ علَى أُمَّتي ما قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، ولَوَدِدْتُ أنِّي أُقْتَلُ في سَبيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ.
_____________________
يَحْكي أبو هُرَيْرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عليه وسَلَّم قالَ: انْتَدَبَ اللهُ، أي: أجابَ لِمَن خَرَجَ في سَبيلِه لا يُخرِجه إلَّا إيمانٌ بي وتَصديقٌ بِرُسُلي أنْ أُرْجِعَه إلَى بَلَدِه بِما نالَ مِن أجْرٍ، أي: بالَّذي أصابَه مِن النَّيْلِ، وهو العَطاءُ مِن أجْرٍ فَقطْ إنْ لَم يَغْنَموا، أو أجْر مَعَ غَنيمة، إنْ غَنِموا، أو أنْ أُدخِلَه الجَنَّة عِندَ دُخولِ المُقَرَّبينَ بِلا حِساب ولا مُؤاخَذة بِذُنوبٍ؛ إذْ تُكَفِّرُها الشَّهادةُ، ولَولا أن أشُقَّ، أي: لَولا المَشَقَّةُ عَلَى أُمَّتي ما قَعَدْتُ خَلْفَ، أي: بَعدَ سَريَّةٍ بَل كُنْت أخْرُجُ مَعَها بِنَفْسي؛ لِعِظَم أجرِها ولَوَدِدْت، أي: أحْبَبْت أنِّي أُقْتَلُ في سَبيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيا ثُمَّ أُقْتلُ ثُمَّ أُحْيا ثُمَّ أُقْتلُ؛ لِعَظَم الشَّهادةِ وثَوابها.
"الدرر السنية"

🌸

عن البراء بن عازب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ أوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ علَى أجْدَادِهِ، أوْ قالَ أخْوَالِهِ مِنَ الأنْصَارِ، وأنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلَّى أوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وصَلَّى معهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى معهُ، فَمَرَّ علَى أهْلِ مَسْجِدٍ وهُمْ رَاكِعُونَ، فَقالَ: أشْهَدُ باللَّهِ لقَدْ صَلَّيْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كما هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وكَانَتِ اليَهُودُ قدْ أعْجَبَهُمْ إذْ كانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا ولَّى وجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أنْكَرُوا ذلكَ.
_____________________
لَمَّا قدِم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ نزَل على بني النَّجَّارِ؛ لأنَّهم هم أخوالُه أو أجدادُه مِن جِهةِ جَدِّ أبيه هاشمِ بنِ عبدِ مَنافٍ.
فكانت قِبلتُه في الصَّلاةِ إلى بيتِ المقدِسِ سِتَّةَ عشَر شهرًا، أو سبعةَ عشَر شهرًا، وكان يعجِبُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن تكونَ قِبلتُه قِبَلَ الكعبةِ؛ كما في قولِه تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144].
وكانت أولُ صلاةِ صلَّاها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم متوجِّهًا إلى الكعبةِ هي صلاةَ العصرِ، ولا خلافَ أنَّ ذلك كان في السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الهجرة، وصلَّى معه بعضُ أصحابه، فخرَج رجلٌ ممَّن صلَّى معه، فمَرَّ على أهلِ مسجدٍ، فوجَدهم يصلُّون، وكانوا راكعين، فقال لهم: أشهَدُ، أي: أحلِفُ باللهِ، لقد صلَّيتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قِبَلَ مكَّةَ، فلمَّا سمِعوه دارُوا ناحيةَ المسجدِ الحرام، ولم يقطَعوا الصَّلاةَ، بل أتمُّوها إلى جهةِ الكعبةِ، فصلَّوا صلاةً واحدةً إلى جهتينِ بدليلينِ شرعيَّيْنِ.
وكان اليهودُ يعجِبُهم توجُّهُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بيتِ المقدِسِ؛ لأنَّه قِبْلَتُهم نفسُها، فلمَّا توجَّه إلى البيتِ الحرام، أنكَروا ذلك، فنزَل قولُه تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] الآياتِ، كما جاء مصرَّحًا به في رواياتٍ أخرى.
وكان بعضُ الصَّحابة ممَّن صلَّى إلى بيتِ المقدسِ مات أو قُتِل قَبل أن تُحوَّلَ القِبلةُ إلى البيتِ الحرام، فسُئِل صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنهم؛ فأنزَل اللهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، أي: صلاتَكم.
وفي الحديث: أنَّ الأعمالَ تُسمَّى إيمانًا.

🌸

عن أبي سعيد الخدري رضي عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إِذَا أسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عنْه كُلَّ سَيِّئَةٍ كانَ زَلَفَهَا، وكانَ بَعْدَ ذلكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بعَشْرِ أمْثَالِهَا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، والسَّيِّئَةُ بمِثْلِهَا إلَّا أنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا.)
_______________________
يُخبرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الكافرَ إذا أسلَم وحسُنَ إسلامُه، أي: أسلَم إسلامًا محقَّقًا بريئًا مِن الشُّكوك، مؤمنًا ظاهرًا وباطنًا، يُكفِّرُ اللهُ عنه سيِّئاتِه الَّتي زَلَفَها، أي: عمِلها قبل ذلك؛ تفضُّلًا منه سبحانه وتعالى، ثمَّ يُعامَلُ بعد إسلامِه بمقابلة كلِّ عملٍ مِن أعماله بمثله، خيرًا كان أو شرًّا، فيُجازى على الحسنةِ بالمثُوبةِ، وعلى السَّيِّئةِ بالعقوبةِ؛ فيُثابُ على الحسنةِ بعَشرِ أضعافِها، وقد تتضاعَفُ المثُوبةُ إلى سَبع مئةِ ضِعفٍ، أمَّا السَّيِّئة فلا يُجازى إلَّا بمثلِها، وقد يعفو اللهُ عنها بفضلِه وكرَمِه، ومَنِّه وإحسانِه، فلا يُعاقَبُ عليها فاعلُها.
وفي الحديثِ: أنَّ الإسلامَ الحقيقيَّ يهدِمُ ما قبله مِن المعاصي، صغائرَ كانت أو كبائرَ، وأنَّ كلَّ كبيرةٍ عدا الشِّركِ قابلةٌ للعفوِ والغُفرانِ.

🌸

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَن هذِه؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِن صَلَاتِهَا، قَالَ: مَهْ، علَيْكُم بما تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حتَّى تَمَلُّوا وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيْهِ مَادَامَ عليه صَاحِبُهُ.
__________________
دخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا على عائشةَ رضي الله عنها وكانت عندها امرأةٌ، فلمَّا سأَل عنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ذكَرَتْ عائشةُ أنَّ هذه فُلانةُ، وسمَّتْها، ثمَّ ذكَرَت كثرةَ صلاتِها وعبادتِها، وأطنَبَتْ في مدحِها، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَهْ، أي: كُفِّي عن مدحِها والثَّناءِ عليها، فما فعلَتْه لا يستحقُّ الثَّناءَ؛ لمخالفتِه السُّنَّة؛ فإنَّ الدِّينَ في متابَعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والعمَلِ بسُنَنِه، وليس في التَّشديدِ على النَّفسِ وإرهاقِها بالعبادةِ، ولكن عليكم بما تُطيقونَ، أي: اشتَغِلوا مِن الأعمالِ بما تستطيعون المداومةَ عليه، وافعَلوا ما تقدِرون عليه مِن الصِّيامِ والقيامِ، ولا تشُقُّوا على أنفُسِكم.
في الحديثِ: بيانُ شفقتِه ورأفتِه بأمَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

🌸

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وفي قَلْبِهِ وزْنُ شَعِيرَةٍ مِن خَيْرٍ، ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وفي قَلْبِهِ وزْنُ بُرَّةٍ مِن خَيْرٍ، ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وفي قَلْبِهِ وزْنُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ. وقال : قال أبان: حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم (من إيمان) مكان من (خير)
_________________
يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لا يُخلَّدُ في النَّارِ مَن كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ مِن إيمان؛ فالمسلمُ العاصي إذا مات ولم يتُبْ مِن معصيتِه فأمرُه إلى اللهِ، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبه، لكنَّه لا يُخلَّدُ في النَّارِ بحال.
فيُخرِجُ اللهُ مِن النَّارِ مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه وزنُ حبَّةٍ مِن شَعيرٍ أو مِن بُرٍّ، وهو القمحُ، أو حتَّى ذرَّةٍ مِن خيرٍ، أي: مِن إيمانٍ، كما جاء مُفسَّرًا في رواياتٍ أخرى؛ لأنَّ الخيرَ في الحقيقةِ هو ما يُقرِّبُ العبدَ مِن اللهِ تعالى، وما ذاك إلَّا الإيمانُ.
وقدَّم الشَّعيرةَ على البُرَّةِ؛ لأنَّها أكبُر جِرْمًا منها، ويقرُبُ بعضُها مِن بعضٍ، وأخَّر الذَّرَّة لصِغَرِها، وهذا مِن باب التَّرقِّي في الحُكم، وإنْ كان مِن بابِ التَّنزُّلِ في الصُّوَرِ.
والحديثُ يدلُّ على أنَّ مجرَّدَ قولِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، مِن دونِ أن يقومَ في القلبِ شيءٌ مِن الإيمانِ- لا ينفَعُ صاحبَه، ولا يُخرِجُه مِن النَّارِ.
وفيه: دلالةٌ واضحةٌ على تفاوُتِ الإيمانِ وتفاضُلِه، وأنَّ أهلَ الكبائرِ مِن المؤمنين يدخُلُ مَن يدخُلُ منهم النَّارَ، لكنَّهم لا يُخلَّدون فيها.
ومعنى إيمان مكان خير، يعني المراد بالخير هنا الإيمان

🌸

عن طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه قال جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ولَا يُفْقَهُ ما يقولُ، حتَّى دَنَا، فَإِذَا هو يَسْأَلُ عَنِ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَومِ واللَّيْلَةِ. فَقالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ. قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وصِيَامُ رَمَضَانَ. قالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ. قالَ: وذَكَرَ له رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الزَّكَاةَ، قالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ. قالَ: فأدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يقولُ: واللَّهِ لا أزِيدُ علَى هذا ولَا أنْقُصُ، قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أفْلَحَ إنْ صَدَقَ.
____________________
جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ نَجدٍ، وهو: ضِمامُ بنُ ثعلبةَ، ثائرُ الرَّأسِ، أي: منتفِشٌ شعَرُ رأسِه مِن أثَرِ السَّفرِ، وله صوتٌ عالٍ لا يُفهَمُ منه شيءٌ، حتَّى اقتَرَب مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا هو يسأَلُه عن شرائعِ الإسلامِ، فأجابه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّ أوَّلَ ما يجِبُ عليه مِن أعمالِ الإسلامِ هو الصَّلواتُ الخَمسُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فقال: هل يجبُ علَيَّ مِن الصَّلاةِ غيرُ هذه الصَّلواتِ الخَمسِ؟ فأجابه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لا يجبُ عليك مِن الصَّلواتِ غيرُها، إلَّا أن تطَّوَّعَ، أي: تأتيَ بزيادةٍ عليها، فتكونَ مِن النَّوافلِ؛ فإنَّه مستحَبٌّ تُثابُ عليه، ثمَّ ذكَر له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصِّيامَ، وأنَّه يجبُ عليه صيامُ رمضانَ، فقال: هل عليَّ غيرُه؟ قال: لا يجبُ عليك غيرُه، إلَّا أن تطَّوَّعَ، أي: تأتيَ بزيادةٍ عليه، فتكونَ مِن النَّوافلِ؛ فإنَّه مُستحَبٌّ تثابُ عليه، ثمَّ ذكر له الزَّكاةَ، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلَّا أن تطَّوَّعَ، أي: إن تصدَّقْتَ بغيرِها فهو تطوُّعٌ تثابُ عليه، لا واجبٌ تأثَمُ بتركِه، فأدبَر الرَّجلُ وهو يقولُ: واللهِ لا أَزيدُ على هذا ولا أنقُصُ، أي: لا أَزيدُ على هذه الفرائضِ بفعلِ شيءٍ مِن النَّوافلِ، ولا أترُكُ شيئًا منها، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أفلَح الرَّجلُ إن صدَق، أي: إذا صدَق في قولِه هذا، فأدَّى هذه الأركانَ؛ فقد فاز بالجنَّةِ، ونجا مِن النَّارِ، ولو لم يأتِ مِن النَّوافلِ شيئًا.
وفيه: أنَّ الإنسانَ إذا اقتصَر على الواجِبِ في الشَّرعِ فإنَّه مُفلِحٌ، ولكن لا يعني هذا أنَّه لا يُسَنُّ أن يأتيَ بالتَّطوُّعِ؛ لأنَّ التَّطوّعَ تُكمَّلُ به الفرائضُ يومَ القيامةِ.

🌸

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:-
مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، وكانَ معهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا ويَفْرُغَ مِن دَفْنِهَا، فإنَّه يَرْجِعُ مِنَ الأجْرِ بقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، ومَن صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ، فإنَّه يَرْجِعُ بقِيرَاطٍ
______________________
مِن إكرامِ المسلِمِ والإحسانِ إليه: اتِّباعُ جنازتِه إذا مات، والصَّلاةُ عليه، وفي هذا الحديثِ ذكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُصولَ الأجرِ العظيم في اتِّباعِ الجنائزِ، وأنَّ مَن تبِعَ جنازةَ مسلِمٍ إيمانًا واحتسابًا، أي: تصديقًا بوعدِ الله، واحتسابًا للأجرِ مِن الله، ورغبةً في ثوابِه، مخلِصًا للهِ تعالى وحده، لا يقصِدُ رؤيةَ النَّاسِ، ولا غيرَ ذلك ممَّا يخالِفُ الإخلاصَ، وصلَّى على الجنازةِ وتبِعَها حتَّى يُفرَغَ مِن دفنِها، فإنَّه يحصِّلُ مِن الأجرِ قيراطينِ، كلُّ قيراطٍ مِثلُ جبلِ أُحُدٍ، وحصولُ القيراطينِ ها هنا مقيَّدٌ بثلاثةِ أشياءَ؛ الأول: الاتِّباع، والثاني: الصَّلاةُ عليه، والثَّالث: حضورُ الدَّفن، أمَّا مَن صلَّى عليها فقط ورجَع قبل أن تُدفَنَ، فقد حصَّل مِن الأجرِ قيراطًا واحدًا.
وفي الحديثِ: الحثُّ على الصَّلاةِ على الميِّتِ، واتِّباعِ جنازتِه، وحضورِ دفنِه.

🌸

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت المرأة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام) ثم انصرف الرجل، فقال: ردوا علي فأخذوا ليردوا فلم يروا شيئا، فقال: هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم.
____________________
هذا الحديثُ مشتمِلٌ على شرحِ جميعِ وظائفِ العباداتِ الظَّاهرةِ والباطنةِ؛ مِن عقودِ الإيمانِ، وأعمالِ الجوارحِ، وإخلاصِ السَّرائرِ، والتَّحفُّظِ مِن آفاتِ الأعمال؛ فقد اشتمَل على أصولِ الدِّينِ ومهمَّاتِه وقواعدِه.
فقد بيَّن فيه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معنى الإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ، عندما أتاه جِبريلُ على صورةِ رجلٍ وسأَله، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بارزًا للنَّاسِ، أي: ظاهرًا لهم، جالسًا معهم، فجاءه جبريلُ يسألُ عنِ الإيمانِ، فقال: أن تؤمِنَ باللهِ، وهو التَّصديقُ بوجودِه، وأنَّه تعالى موصوفٌ بصفاتِ الجلالِ والكمَال، وأنَّه تعالى مُنزَّهٌ عن صفاتِ النَّقصِ، وأنَّه واحدٌ حقٌّ صمَدٌ فردٌ خالقٌ جميعَ المخلوقاتِ، يفعَلُ في مُلكِه ما يُريدُ، ويحكُمُ في خَلقِه ما يشاءُ.
والإيمانُ بالملائكةِ: فيجبُ الإيمانُ بجميعِ ملائكةِ اللهِ تعالى؛ فمَن ثبَت تعيينُه منهم- كجِبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ- وجَب الإيمانُ به، ومَن لم يثبُتْ آمنَّا به إجمالًا.
والإيمانُ بالكتبِ: هو التَّصديقُ بأنَّها كلامُ اللهِ، ومِن عندِه، وأنَّ ما تضمَّنَتْه حقٌّ، وأنَّ اللهَ أنزَل القرآنَ حاكمًا على هذه الكتبِ، ومُصدِّقًا لها.
والإيمانُ بلقاءِ اللهِ: معناه الإيمانُ بوقوفِ العبادِ بين يَدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ للمحاسَبةِ بأعمالِهم، والجزاءِ بها.
والإيمانُ برُسلِ اللهِ: هو بأنَّهم صادِقون فيما أخبَروا به عن اللهِ تعالى، وأنَّ اللهَ تعالى أيَّدهم بالمُعجزاتِ الدَّالَّةِ على صِدقِهم، وأنَّهم بلَّغوا عن اللهِ رسالتَه، وبيَّنوا للمُكلَّفينَ ما أمَرهم ببيانِه، وأنَّه يجبُ احترامُهم، وألَّا نُفرِّقَ بين أحدٍ منهم.
والإيمانُ بالبَعثِ: هو الإيمانُ بأنَّ اللهَ يبعَثُ مَن في القبورِ.
ثمَّ سأله عن الإسلامِ، فقال: أن تعبُدَ اللهَ، ولا تُشرِكَ به شيئًا، أي: تُطيعَه مع خُضوعٍ وتذلُّلٍ.
وإقامةُ الصَّلاة: وتعني المحافظةَ على أداءِ الصَّلواتِ الخَمْسِ في أوقاتِها، بشروطِها وأركانِها وواجباتِها.
وإيتاءُ الزَّكاة، أي: إخراجُ الزَّكاةِ المفروضةِ، وصَرْفُها لمُستحقِّيها، وهي عبادةٌ ماليَّةٌ تأتي في السَّنةِ مرَّةً واحدةً عند بلوغِ النِّصابِ وحَوَلانِ الحَوْلِ عليه، أو عند خروجِ الثِّمارِ ونُضوجِها، ونفعُها مُتعَدٍّ.
وصومُ رمضانَ: والصِّيامُ يعني: الإمساكَ- بنيَّةِ التَّعبُّدِ- عن الأكلِ والشُّربِ، وسائرِ المُفطِراتِ، وغِشيانِ النِّساءِ، مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشَّمسِ.

_

تابع الحديث👆
____________
ثمَّ سأَله عن الإحسانِ، فأجاب بـ: أن تعبُدَ اللهَ عبادةَ مَن يرى اللهَ تعالى، ويراه اللهُ تعالى؛ فإنَّك لا تستبقي شيئًا مِن الخضوعِ والخشوعِ والإخلاصِ، وحفظِ القلبِ والجوارحِ، ومراعاةِ الآدابِ الظَّاهرةِ والباطنةِ ما دُمْتَ في عبادتِه.
ونهايةُ مَقامِ الإحسانِ: أن يعبُدَ المؤمِنُ ربَّه كأنَّه يراه بقلبِه، فيكونَ مستحضِرًا ببصيرتِه وفكرتِه لهذا المقامِ، فإن عجَز عنه وشقَّ عليه انتقَل إلى مَقامٍ آخرَ، وهو أن يعبُدَ اللهَ على أنَّ اللهَ يراه ويطَّلِعُ على سِرِّه وعلانيتِه، ولا يَخفى عليه شيءٌ مِن أمرِه.
ثمَّ قال جِبريلُ: "أخبِرْني عن السَّاعةِ"، فقال: "ما المسؤولُ عنها بأعلَمَ مِن السَّائلِ"، أي: إنَّ النَّاسَ كلَّهم في وقتِ السَّاعةِ سواءٌ، وكلُّهم غيرُ عالِمين به على الحقيقةِ؛ ولهذا قال: "في خَمسٍ لا يعلَمُهنَّ إلَّا اللهُ"، ثمَّ تلا: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34]، وهذه مفاتيحُ الغيبِ الَّتي لا يعلَمُها إلَّا اللهُ، ثمَّ قال: (وسأُخبِرُك عن أشراطِها)، فلمَّا كان العِلمُ بوقتِ السَّاعةِ المسؤولِ عنه غيرَ ممكِنٍ، انتقَل منه إلى ذِكرِ أشراطِها، وهي علامتُها الدَّالَّةُ على اقترانها؛ فأوَّلُ علامةٍ هي أن (تلِدَ الأمَةُ ربَّها)، أي: أن تكثُرَ الفتوحُ في بلادِ الكفَّارِ، وجلبُ الرَّقيقِ، حتَّى تُجلَبَ المرأةُ مِن بلدِ الكفرِ صغيرةً، فتُعتَقَ في بلدِ الإسلامِ، ثمَّ تُجلَبَ أمُّها بعدَها، فتشتريها البنتُ وتستخدِمها جاهلةً بكونِها أُمَّها، وقدْ وقَع ذلك في الإسلامِ، وقيل: إنَّ الإماءَ تلِدْنَ الملوكَ، فتكونُ أمُّه مِن جملةِ رعيَّتِه، وهو سيِّدَها وسيِّدَ غيرِها مِن رعيَّتِه، ووليَّ أمورِهم، وقيل: المرادُ أن يكثُرَ العُقوقُ مِن الأولادِ حتَّى يُعامِلَ الولدُ أمَّه معاملةَ أَمَتِه بالسَّبِّ والإهانةِ.
والعلامةُ الثَّانية: أن يتطاولَ رعاةُ الإبلِ البَهْمِ في البُنيانِ، والبَهمُ المرادُ بهم الرُّعاةُ المجهولون الَّذين لا يُعرَفون، وقيل: الَّذين لا شيءَ لهم، وتطاوُلُهم في البُنيانِ، أي: يكونون أغنياءَ وملوكًا على النَّاسِ.

..

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأَتِكَ.
_____________________
يبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الحديثِ أنَّ الأجرَ ليس محصورًا في التَّصدُّقِ بالمال على الغيرِ، بل النَّفقةُ الَّتي يُنفِقُها على نفسِه وأهلِه وغيرِهم إذا قصَد بها وجهَ اللهِ تعالى لا الرِّياءَ والسُّمعةَ، فإنَّه مأجورٌ فيها، فما أُريدَ به وجهُ اللهِ يثبُتُ فيه الأجرُ، وإن حصَل لفاعلِه في ضمنِه حظُّ شهوةٍ مِن لذَّةٍ أو غيرِها؛ كوضعِ لُقمةٍ في فمِ الزَّوجةِ، وهو غالبًا لحظِّ النَّفسِ والشَّهوةِ، وإذا ثبَت الأجرُ في هذا، ففيما يرادُ به وجهُ اللهِ فقط أَحْرَى.
وفي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ النِّيَّةَ الصَّالحةَ تقلِبُ العادةَ عبادةً؛ فينبغي للعاقلِ ألَّا يتحرَّكَ حركةً إلَّا يَبتغي بها وجهَ اللهِ تعالى.