لا أعرفك إطلاقا ولكن اتضح لي أنك كنت طالب طب ...! إن كان ذلك صحيح برأيك هل يتميز طالب الطب عن غيره !؟

كلية الطب تعتبر أكبر تجمع للغير أسوياء نفسياً ممن انتسبوا إليه إما لاعتبارات اجتماعية، أو لاعتبارات شخصية كصناعة الصور الذاتية المُرضية لأنفسهم self image.
.
يعني أن الكثير من طلاب الطب لا يعكسون شخصية طالب الطب الحقيقية، ومع ذلك أعتقد أن ما يميز طالب الطب لن يتبلور إلى صيغته النهائية إلا بعد الإحتكاك بالمستشفى واستثناء الحالات الكاذبة، أنا نفسي لم اكتشف مشكلتي مع الطب إلا في السنة الرابعة مع بداية احتكاكي بالمستشفى.
.
هناك بالفعل صفات يتيمز بها الطبيب عن غيره، تميز اختلاف وليس تميز تفوق، وفي جواب سابق عن سؤال قمت بحذفه قلت أن شخصية الطبيب النموذجية لا تتماشى معي سواء التحلي بها أو معاشرتها، لاحظ أني أقول النموذجية مما يعني أن الأطباء لا يجتمعون عليها كلهم. أصعب ما مررت به في الكلية هو التعامل مع من يثيرون الشفقة لدى الإنسان، فكنا نتعامل مع مرضى لم يكن بمقدورنا مساعدتهم، يشتكون إلينا ظنا منهم بأننا نستطيع مساعدتهم، كان للطلبة قدرة على التركيز على فكرة كونهم طلبة يتعلمون وكانوا يتزاحمون حول المريض من أجل ذلك، وكان لبعضهم القدرة على فتح بعض النقاشات الجانبية على حافة سرير المريض أو تبادل بعض القهقهات، أو ربما الحديث عن التطورات الخطيرة التي يمكن تحصل على مرض المريض متجاهلين نظراته إليهم، أو ربما تحدثوا بالأنجليزية إعتقادا منهم بأن جميعهم لا يفهمون .. لم يكن لدى الكثير من البروفيسورية مشكلة في وضع أرجلهم على حافة سرير المريض، ولم يكن لدى الكثير منهم احتراماً لخصوصية وحساسية اللحظات التي يطلب فيها من المريض أو المريضة أن يكشف عن جسده أو تكشف عن جسدها .. وكنت أتباعد فيما أنظر للمريض وكأني أقول له .. لست مثلهم لست منهم، يهمني أمرك لهذا يهمني أن ابتعد عنك.
وأنا إلى هذه اللحظة أكره التعامل مع الإنسان في حالات ضعفه، أكره أن أشعر بالشفقة عليه، لهذا كان دائما من الصعب على أن أتعامل مع المريض سواء كطالب طب أو كزائر. كما أن الطبيب لا يسعه أن يتعاطف مع كل مرضاه عاطفياً، ورغم أنه يتعاطف معهم عملياً من خلال معالجتهم ولكنهم بالنسبة إليه هم "حالات" أو "patient"، ولا يمكن لقلبه بصفته إنسان عادي لا تسع رحمته كل شيء أن يسعهم كلهم في قلبه ولا يمكنه أن يبكي على موت كل ميت منهم .. وهذا لا شك عندي أنه يعيد تشكيل شخصية الطبيب، وهذا الذي لم تستطع أن تتقبله نفسي، ويظل الطب رغم هذا من أعظم المهن.