من قوانينك على نفسك ..؟

عدم الإنخراط في أي نقاش إلا بقرار واعي مدروس، فكأن الكلامَ رأسُ مالٍ لم أعد أضعه إلا حيث أراه مثمرًا. أخذت في تعلم هذا الدرس بعد الثورة مباشرة، إذ كنت قبلها وخلال بدايتها أُكثر من المراء والجدل، فلما تأملت حالي وحال كثر، رأيت أن أكثر النقاشات ليست لإحقاق حق إلا تلبيةً لهوى في نفس المتكلم أو انتصارًا لها، ولا أستثني قول الحق، فحتى القائل به لا يسلم من توظيفه لصالح هواه، وهو من الحق الذي يراد به باطلًا، وأكثر المتكلمين تراهم إما ناطقين بالباطل تكبرًا عن الحق، إما ناطقين بالحق غرورًا به، إما ناطقين عن جهل لا يدرون عن ماذا يتكلمون. ومن وضع قول كل قائل في سياق القائل وحاله لنأى بنفسه عن الخوض في أكثرها، فنحن نناقش الفروع مع من نختلف معهم في الأصول كأن نناقش إنسانًا في مسائل السياسة الشرعية وهو مقصر في صلاته أو ربما لا يصلي من الأساس، ونناقش المواضيع مع من ليسوا أهلها، كأن نتحدث في السياسة مع أشخاص لا يريدون من الحياة إلا أن يعملوا ويأكلوا ويشربوا .. إلخ .. هذه الأحاديث العقيمة لا تخدم مواضيعها ولن تقدم ولن تؤخر ويعد الخوض فيها من نصرة النفس وحبًا للجدل.
.
وهذا الصمت الذي ألزمت نفسي به غالبًا خصوصًا أنني أختلف مع أغلب من فرضتهم علىَّ بيئتي ومحيطي، قد ربى في داخلي أهم السمات التي تحليت بها في سنواتي الأخيرة، ومنها القدرة على ضبط النفس، ومنها الفهم العميق لموقف الآخر إذا كان في كلامه شيء من الموضوعية، أو فهم عميق لنفسيات الناس وفهم دوافعهم الداخلية وكيف يفكرون إذا كان كان كلامه من جنس الخواطر والتنفيس أو كان تابعًا لرأي عام معروف. تعلمت كيف أفهم نفسي من خلال فهم الآخرين، وفهمت أن هناك دائمًا وجه للحق يمكن التوافق عليه في حديث أكثر الذين نتحدث معهم، تعلمت كيف أسيطر على أعصابي وهو أمر ليس هينًا عندما يكون الكلام مستفزًا أو يكون فيه شيء من التحامل أو الحقد أو الحقارة، وكل هذا منحني بدوره حجة أقوى في الكلام، وقدرة على التأثير وإدارة النقاشات وأهم ما في ذلك تجاوز ظاهر الكلام والنفاذ إلى وكشف الدوافع الداخلية وجعلها هي مدار الكلام من خلال جعل المتكلم يواجه نفسه قبل أن أواجهه أنا .. أو هكذا أعتقد.